الشيخ محمد حسين الحائري
225
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الذات باللزوم فإذا انتفي الملزوم أعني الدلالة المطابقية انتفي اللازم أيضا وأجاب بأن اللفظ بالنسبة إلى معانيه المطابقية والالتزامية بمنزلة العام بالنسبة إلى أفراده فإذا قام الدليل على عدم إرادة المعنى المطابقي بقي معمولا به في المعاني الالتزامية لعدم المعارض هذا ملخص كلامه والحق أن الايراد المذكور وارد والجواب فاسد إذ لا نسلم عموم المنزلة وصريح العرف والاستعمال يكذبه ألا ترى أنه حيث يتعذر حمل الأسد في قول القائل رأيت أسدا يرمي على معناه الحقيقي لا يحمل على الشخص المتصف بجميع ما يمكن اتصافه به من لوازمه حتى النجر ونقصان الادراك ولنا على المقام الثالث أن حمل النفي فيه على نفي الكمال متعين إذ التقدير تعذر نفي الذات والصحة وعدم ما يساويه من احتمال آخر ومن هذا الباب قوله عليه السلام لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وأما نحو لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاد فقد قيل إن المقصود فيه نفي الفائدة والجدوى وهو يستلزم خلوه عن الفائدة والجدوى كما لا يخفى بل الأظهر أن المنفي فيه نفس العلم والكلام تنزيلا لغير النافع منهما منزلة الخارج عن حقيقتهما كما في قولك للبليد ليس بإنسان احتج الأولون بأن العرف في مثله يفهم نفي الصحة تارة ونفي الكمال أخرى وذلك يوجب التردد الموجب للاجمال وأجيب بأنه إن أريد أن بعض أهل العرف يفهمون الصحة وبعضهم يفهمون الكمال فهذا بعد تسليمه لا يوجب التردد بل كل صاحب مذهب يحمله على ما هو الظاهر عنده وإن أريد أن أهل العرف في بعض المواضع يفهمون نفي الصحة وفي بعضها نفي الكمال فمدفوع بأن فهمهم نفي الكمال مبني على وجود القرينة المعينة لإرادته وأما عند فقدها كما هو المفروض فلا يتبادر عندهم إلا نفي الذات أو الصحة احتج المفصل على عدم الاجمال في الفعل الشرعي بما مر وفي الفعل اللغوي إذا كان له حكم واحد بأن ذلك الحكم يختص بالنفي على تقدير تعذر تعلقه بالذات فلا يلزم أيضا إجمال وعلى ثبوت الاجمال في الفعل اللغوي إذا تعدد الحكم بأن النفي يصلح حينئذ لان يتعلق بكل واحد ولا مرجح فيتأتى الاجمال والجواب المنع من عدم المرجح وقد مر بيانه ومنها التحريم المضاف إلى الأعيان كقوله حرمت عليكم الميتة الآية وحرمت عليكم أمهاتكم إلى غير ذلك فإن إضافة التحريم إلى العين غير معقولة فلا بد من إضمار فعل يصلح متعلقا له فعده بعضهم من المجمل نظرا إلى أن الافعال كثيرة ولا يمكن إضمار الجميع لان ما يقدر للضرورة يقدر بقدرها فيتعين البعض ولا مرجح فيتردد وذهب المحققون إلى عدم الاجمال لان مثله حيثما يطلق فالمتبادر منه عرفا نفي الفعل المقصود منه كالأكل في المأكول والشرب في المشروب واللبس في الملبوس والنكاح في المنكوح إلى غير ذلك وهو كاف في ترجيح البعض وهذا فيما يتحد فيه الفعل المقصود ظاهر وأما المتعدد نحو حرم عليكم صيد الحرم حيث يحتمل أن يكون المحرم اصطياده أو أكله فالقول بالاجمال فيه متجه ما لم يكن منافيا للحكمة فيتعين الحمل على العموم وكذا الكلام في إضافة سائر الأحكام إلى الأعيان نحو وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ومنها آية المسح في الوضوء فعدها بعضهم من المجمل لأنه يحتمل مسح كل الرأس وبعضه ولا أولوية فيتأتى فيها الاجمال والحق عدم الاجمال كما عليه المحققون إذ يكفي مسح البعض في صدق المسح به عرفا أو نقول الظاهر من الباقي مثل المقام التبعيض فيكون مرجحا للحمل عليه ولا عبرة بإنكار سيبويه مجيئها له في سبعة عشر موضعا من كتابه بعد مساعدة الفهم عليه ومصير بعض المحققين إليه مضافا إلى دلالة بعض الأخبار عليه واستدل العلامة على نفي الاجمال بأن الباء إن كانت للتبعيض ثبت التواطؤ فيتخير المكلف بين الابعاض وإلا وجب الاستيعاب وضعفه ظاهر لان الخصم يدعي تكافؤ الاحتمالين وليس في ذلك ما يوجب دفعه وقد يجاب أيضا بأن الباء إن دخلت على محل المسح تعدى الفعل إلى الآلة كما في الآية فيستوعبها دون المحل وإن دخلت على الآلة تعدى إلى المحل فيستوعبه دون الآلة نحو مسحت رأس اليتيم بيدي والظاهر أن العرف لا يساعد على هذا الفرق فالتفصيل غير مرضي ومنها قوله عليه السلام الاثنان فما فوقها جماعة والطواف بالبيت صلاة ونحوه مما له محل لغوي وشرعي فإنه يحتمل أن يكون المراد به تسمية الطواف بالبيت صلاة والاثنين جماعة أو أن الطواف بالبيت كالصلاة في اشتراطه بالطهارة والاثنان فما فوقها كالجماعة في حصول فضيلة الجماعة بهما فمنهم من عد ذلك مجملا لتساوي الاحتمالين ومنهم من رجح الاحتمال الثاني لان شأن الشارع بيان الأحكام الشرعية لا اللغوية ويمكن الفرق بين أن يكون الوضع أو الاستعمال شرعيا وبين أن يكون عرفيا أو لغويا فيبنى على الاجمال في الأول إذ كما أن شأن الشارع بيان الأحكام الشرعية كذلك شأنه بيان موضوعاتها ويحمل على بيان الحكم في الثاني لما مر وربما أمكن المناقشة فيه بالمنع لما نرى من تشاغله ببيان غير الاحكام كتشاغله ببيانها فلا ترجيح ويدفعه أن ذلك غير مناف للظهور المدعى مراعاة لحق المنصب فصل المبين بالفتح نقيض المجمل وقسيمه يوصف به اللفظ تارة والفعل أخرى وإن كان وصف اللفظ باعتبار اتصاف معناه به وأما بالكسر فيوصف به فاعل البيان تارة وما يقع به البيان أخرى من اللفظ وما بحكمه أو المعنى كما مر وقريب منه البيان فإنه قد يطلق على التبيين كالكلام والسلام على التكليم والتسليم ويعرف بهذا الاعتبار بأنه الاخراج من حيز الاجمال إلى حيز الوضوح وعلى ما يحصل به البيان ويسمى بهذا الاعتبار دليلا أيضا وعلى الادراك المتعلق به فيقال هو العلم بالدليل والاطلاق الأخير غير شائع ويعرف المبين بالمعنى الأول بأنه ما اتضحت دلالته على المعنى المراد فيعم ما يتضح بنفسه كقوله تعالى إن الله بكل شئ عليم أو بواسطة الغير إذا أخذ معه كقوله تعالى وآتوا حقه وقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر وينبغي أن يفسر الموصول بما يتناول المفرد والمركب فإنه يعتبر بالنسبة